Friday, December 17, 2010

لما لم يزدهر اليسار؟

لما لم يزدهر اليسار؟
طُرح هذا السؤال بأشكال متنوعة في السنوات الماضية. و المقصود هو أذا كان حال الأغلبية العظمي من الشعب يمضي من سيء لأسواء فلما لم تلتحق كتلة كبيرة من هذه الأغلبية المطحونة بصفوف اليسار؟
و في الإجابة علي هذا السؤال يتبني الكثيرين – حسب معلوماتي – موقف نقد اليسار. أي أن إجابتهم هي لأن اليسار ليس جيدا بما فيه الكفاية. مقسم مشتت أنتهازي يميني يساري عصبوي الخ الخ. و هذا النوع من الإجابة يتضمن أيضا فكرة غياب التنظيم الثوري أو الحزب القائد الخ. و أجدني لا أستطيع أن أتفق مع هذه الإجابة. ليس لإعجابي بحال اليسار قطعا. لكن لأن الدلائل التاريخية توضح أنه في مصر و في العالم أزدهر يسار له مثل هذه الصفات الرديئة و ربما أكثر. و لأن من ناحية أخري أنا أعتقد بأن حركة الطبقات و الشعب و ميولها مستقلة لحد بعيد عن اليسار أو اليمين. بمعني أن الطبقات الاجتماعية لها كينونتها التي تتفاعل بها مع مجتمعها ربما أثر فيها اليسار أو اليمين لكنها لا تخضع لحركة هذا و ذاك.أي أن تلك الطبقات تميل لليسار طبقا لخصائصها هي و ليس لخصائص اليسار من الناحية الأساسية. و بخصوص التنظيم الثوري فأن وجوده يستلزم بداية وجود واسع لليسار. فلا يمكن أن نفسر ضعف التواجد اليساري بعدم وجود الحزب الذي يشترط وجوده نفوذ يساري واسع.و لا أقصد باستبعاد العنصر الذاتي أن ليس له أي قيمة علي الإطلاق ما أقصده أن هذا العنصر لا يصلح كي يكون سببا رئيسيا لتفسير الظاهرة. و من المؤكد أن له تأثير ما لكنه تأثير تابع لأسباب أكثر عمقا و أهمية.
إجابة آخري أجدها غير مقنعة بالنسبة لي تري أن العيب في الشعب نفسه. فهو شعب متخلف جاهل أمي غير منتج الخ. بالإضافة إلي أنه غير منظم و لم يتعلم الديمقراطية. و مرة أخري فأن نفس الاعتراضات السابقة أضعها أمام هذه الإجابة. فلم يكن الشعب المصري أكثر تعلما في الأربعينات و لا أكثر أنتاجية حينما كان اليسار يتمتع بقاعدة عريضة جدا مقارنه بحاله الآن. و كذلك فأن حركة طبقات الشعب ليست مرتبطة بشكل مباشر بمستوي التعليم أو درجة الانخراط في العمل.و مستوي النضج الشعبي – أن صح التعبير – هو معطي لكل أتجاه سياسي اليسار و غيره فيبقي السؤال لما لم يزدهر اليسار بينما هناك قوي أخري سياسية لها نفوذ واسع و فاعلية؟
و بالطبع فأن هناك الإجابة التي تصدر عن بعض من غير اليساريين من نوع أن هذا بسبب أن اليسار مضي عهده و أصبح من مخلفات النصف الأول من القرن العشرين. و لأنه أستبدادي قمعي الخ. و محاوله مناقشة موضوعية لهذه الإجابة تفضح تهافتها. بداية أزدهرت في شروط مماثلة حركات شديدة الاستبدادية بل معادية للديمقراطية صراحة. كل حركات اليمين الديني علي سبيل المثال. و هي أيضا حركات من الماضي السحيق. أذا فحتي لو سلمنا بأن اليسار أستبدادي فقط كي يستمر النقاش لما لم يعرف أزدهارا عرفته حركات أكثر أستبدادية؟ هذه الإجابة أيضا غير مقنعة.
أذا فلما لم يزدهر اليسار؟ فلنأخذ العشر سنوات الماضية حيث تصاعدت الحركات الاحتجاجية و أنتشرت الحركات السياسية و أزدادت درجة معانة الشعب لم لا نري مستوي مماثلا لازدهار اليسار!. و من الواجب هنا أن نذكر أن اليسار أنتعش طوال العشر سنوات الماضية مقارنة بالتسعينات لكنه أنتعاش أقل كثيرا من المتوقع. فمثلا نري حركات سياسية عديدة تنشأ من العدم تقريبا و تجتذب المئات – مثلا حركة البرادعي و التغيير – و تصبح في يوم و ليلة أكبر كثيرا جدا من كل اليسار!
بداية نحن في حاجة لإجابة واضحة و شجاعة علي هذا السؤال حتي يمكننا أن ندرك أين نحن و لأين نمضي. و لا بد من الاعتراف أولا بأن السؤال رغم أهميته الواضحة من الصعب جدا الإجابة عليه بيقين كامل. بل أن من الصعب معرفه مجرد موقف الشعب من اليسار و ما الذي يعنيه اليسار لدي الشعب. فلم تجري – لحد علمي – محاولات لاستقصاء أراء عينة من الناس حول ما هو اليسار و أذا كان الموقف منه إيجابي أم عكس ذلك. و أظن الكثيرين و أنا منهم لن يندهشوا أذا علموا أن اليسار لدي قطاع كبير من الشعب مرتبط بالنظام. فهناك من ناحية حزب التجمع و علاقته بالنظام. و هناك من ناحية آخري أن اليسار مرتبط بالغرب – بمعني قيم التنوير و المواطنة الخ – و كل هذا ربما جعله لدي قطاع من الناس مرتبطا بالنظام علي الرغم مما يقوم به اليسار و ما يقوله.ناهيك طبعا عن الدعاية المعادية لليسار التي تصمه بأنه معادي للدين و ملحد مما يعتبر أمر غاية في السلبية لدى قطاع واسع جدا من الشعب.
و في محاولة للإجابة علي هذا السؤال أقدم فرضيتين و أسعي من خلال قرأة للتاريخ الحديث إلي البرهنة عليهما. الفرضية الأولي هي أن اليسار أزدهر في الماضي في أعقاب تشجيع رسمي له بشكل من الأشكال. ثانيهما أن اليسار أزدهر حينما كانت أوضاع الطبقات الشعبية تميل للاستقرار. و الفرضيتان متكملتان و ليست أحدهما ضد الأخري.
فرضية الدعم الرسمي
الحركة اليسارية الكبري في الأربعينيات و تلك الأصغر في السبعينيات لم تكن إلا حركات قومية من حيث الجوهر مغلفة برداء يساري. و لا يعيب هذا كلتا الحركتين. فهكذا كان الحال في تلك الأزمنة التخلص من الاحتلال الانجليزي ثم الإسرائيلي. ما يعيب هو أن كثير من اليساريين في مصر حاليا ما زالوا يفكرون أنطلاقا من مفاهيم قومية و شعبوية و لا يمارسون الفكر اليساري إلا علي سبيل الاستعارة الميتة من مقولات محفوظة. و الأخطر أن منهجا أخلاقيا سائدا بين اليسار و غريب تماما عن الفكر اليساري و لكن هذه قضية آخري.و من ناحية ثانية فالفكر اليساري ليس وليد التربة المصرية. و لم ينشأ في مصر مجتمع قادر علي أنتاج مثل تلك الأفكار. فأقصي ما أستطاعته الرأسمالية المصرية هو الوصول لنوع من الليبرالية الخجول. هذا علي عكس أوروبا التي نشأ فيها اليسار و وضع أسسه الفكرية.بل أن المجتمع المصري الحديث لم يعرف في أشد لحظاته تأزما مثل تلك الأحداث العاصفة التي شهدتها أوروبا مثل الحروب واسعه النطاق و الصراع الطبقي الدامي و الحروب الأهلية و التي لا شك ساهمت في كشف طبيعة تلك المجتمعات و طريقة عملها أمام المفكرين.الفكر اليساري جاء إلي مصر مستوردا و هذا أمر لا يستوجب الخجل فليس وحده الفكر المستورد – فمجمل مفاهيم الدولة الحديثة مستوردة مثل الدستور و سيادة القانون الخ – و من ناحية آخري المهم هو ما الذي فعلناه بهذا المستورد و ليس كونه مستوردا.
و هنا نلاحظ أن كل حركة يسارية سبقها دعم رسمي. فحركة الأربعينات سبقها بروز نجم الاتحاد السوفيتي – حليف أنجلترا في ذلك الوقت – بما يعني من حملات إعلامية محبذه لليسار عموما سواء مباشرة أو من خلال الأجانب المقيمين في مصر. و ضرورات الحرب التي حتمت علي قوات الاحتلال أن تكره الملك فاروق علي تعيين وزارة وفدية عام 1942 – و الجناح اليساري لحزب الوفد -الطليعة الوفدية - حليف لقوي اليسار بشكل عام. و في أواخر الستينات أستفادت موجة اليسار أيضا من رفع النظام لشعارات الاشتراكية و العدالة الاجتماعية الخ منتوجات الدعاية الناصرية. و الناصريين يصنفون كجزء من قوي اليسار وقتها و حتي الآن .فالحركتين استفادتا من دعم رسمي مباشر أو غير مباشر .هذا الدعم لعب دورا هاما في تسويق الفكر اليساري لدي المواطن في الشارع فتقبل هذا المواطن أفكار اليساريين – أو من يسمون أنفسهم كذلك – بقدر من السهولة و الاعتياد. خاصة و القضايا الرئيسية المطروحة كانت قضايا تتعلق بالصراع مع الخارج و ليس بالصراع الاجتماعي الداخلي. و بالطبع فأن اليسار الذي أستفاد من الدعم أو عدم الممانعة الرسمية عاني من ويلاتها بعد ذلك لأن هذا الدعم الرسمي شوه المفاهيم اليسارية أيضا و هو ينشرها.
في مجتمع هش في بناه الاجتماعية يصبح دور الدولة حاسما في تنمية أي أتجاه سياسي. فليس اليسار وحده من أستفاد من ذلك الدعم. اليسار هو أقل من أستفاد من الدعم الرسمي. فالاتجاهات السياسية كلها أستفادت من دعم جهاز الدولة لها في مرحلة من المراحل أكثر كثيرا جدا من اليسار. فالإخوان مثلا تلقوا دعما متواصلا من الملك و قوات الاحتلال. ثم لفترة قصيرة من عبد الناصر حتي أنهم استثنوا من إلغاء الأحزاب. ثم طبعا مرحلة السادات و حتي الآن.
فمنذ السبعينات و الفكر الرسمي يدعم اليمين الديني دعما غير محدود بدء من الأسس القانونية و التشريعية للمجتمع – المادة الثانية – حتي الإعلام و الرموز و نظام التعليم الرسمي. و يعادي صراحة ليس فقط اليسار بل حتي العقلانية و العلم بلا خجل. و رغم أن النظام الآن يعتقل الأخوان حاليا إلا انه يدعمهم فكريا و إديولوجيا كما كان دائما. بل يتبارى معهم في تبني نفس منهجهم. بل أن آله التعليم الرسمي – بفضل مناهجها و طريقة عملها - تنتج كل يوم شبابا معبئ برؤى شبيهه جدا برؤى الأخوان في كل المجالات .و من المنطقي هنا أن يكون تقبل الشعب لليسار محاطا بالشك. مرة آخري، خاصة و أن المطروح الآن هو الصراع الاجتماعي الداخلي من حيث الأساس. اليسار في مصر يواجهه الآن ضرورة النهوض علي أساس قواه الذاتية و قدرته علي أقناع الناس بصحة أفكارة و خلق تلك الكتلة الحرجة الضرورية كي يصبح اليسار أحد مفردات الحياة اليومية. المهمة المطروحة علي يسار اليوم تختلف كيفيا عما طرح علية طوال قرن مضي.

فرضية الاستقرار الطبقي
يرتبط أزدهار اليسار بالميول الثورية للطبقات الشعبية. لذا لابد من فهم واقع تلك الطبقات كي نفهم – ضمن أشياء أخري – مفاتيح أزدهار اليسار. و هذه الفرضية تنطلق من أن ما أسميه الاستقرار الطبقي هو سمة في الطبقات الشعبية حينما تتفتح ميولها الثورية. هذا علي الأقل صحيحا – كما أري – حتي الثمانينات من القرن الماضي حينما تدخلت عناصر آخري مرتبطة بالتحول علي قمة السلطة و بتحولات عالمية عززت من تلك الفرضية. و أجمل تلك العناصر في أمرين الاقتصاد المزدوج و الانحطاط الاجتماعي
مر المجتمع المصري بتطور طبقي عاصف في سرعته خلال القرن الماضي. فازدهرت الرأسمالية المصرية و أنتعش التصنيع منذ ثورة 19 ثم أنتقلت الرأسمالية لتصبح رأسمالية دولة في أعقاب ثورة يوليو ثم تحولت إلي رأسمالية تابعة منذ الانفتاح الاقتصادي كل هذا في ظرف أقل من قرن واحد. و يكفي إلقاء نظرة علي تطور النخب الحاكمة كي ندرك السرعة العاصفة للتبدلات السياسية و الطبقية في مصر. فالنخبة التي جاء بها سعد زغلول أو جاءت به سرعان ما أنقسمت. و لم تمضي 20 سنة حتي أتي أنقلاب عبد الناصر بنخبة جديدة تماما في 52 و لم تأتي الستينات إلا و كل مجلس قيادة الثورة قد ذهب باستثناء عبد الناصر و رفيقه عامر و في عشر سنوات أتت "ثورة" السادات لترسل تلك النخبة الأخيرة للسجن ثم أستبعد السادات هؤلاء الذين صنعوا له نصر أكتوبر بسرعة البرق. في كل مرحلة من تلك المراحل عرفت الابنية الاجتماعية تبدلات سريعة نقلت ملايين الناس من حال لحال و بدلت الأوضاع الطبقية. و قد أنتعش اليسار تحديدا في الفترات التي شهدت ركودا أجتماعيا. ففي أعقاب التوسع الذي شهدته مصر أثناء الحرب العالمية الثانية جاء الركود الكبير الذي أعقبها. و أدي هذا الركود لتدهور أحوال قطاعات واسعه كانت قد أستفادت من التوسع المصاحب للحرب. و أغلقت النافذة التي فتحتها الحرب أما الرأسمالية المصرية و أمام مجمل الشعب. و هنا أنطلقت الحركة اليسارية المعروفة باسم حركة الأربعينات. و وجدت تأييدا واسعا. نفس الآلية عملت مع حركة السبعينيات. فقد مرت مصر بدرجة من الانتعاش في أعقاب حركة التأميم و الخطة الخمسية الأولي. و تكفل الدولة بتشغيل الخرجين. ثم أدت حرب 67 – أو فشل خطط التنمية – إلي ركود أجتماعي ظل محبوسا بحكم ضرورات الحرب .و ما أن انتهت حرب 73 حتي تفجر غضب الشعب الذي مرة آخري أصبح بلا أمل في حياة أفضل بل بدا في مسلسل أنحدار. و قد أنتهت تلك الحالة بفضل بترول الخليج الذي سمح للملايين بتحقيق طموحاتهم المتواضعة خارج الوطن. و أيضا بفضل القروض و المعونات. و أنا اسمي تلك الحالة التي عرفتها مصر في أعقاب الحرب العالمية الثانية و في أعقاب حرب 73 بحالة الاستقرار لانها تتناقض مع ما سبقها و لحقها من تبدل سريع .أن الطبقات الشعبية في مصر غير منظمة -بفضل ضعف الرأسمالية و التبدلات المتوالية- تتسم حركتها بالطابع الدفاعي في المحل الأول. بمعني أخر كلما كانت هناك أمكانية أجتماعية للفكاك من الفقر -حتي و أن بشكل عارض - كلما قل ميل الشعب لليسار قلما قفلت هذه النافذة كلما أصبح الشعب أكثر أستعدادا لتقبل اليسار.
و أذا كانت هذه الفرضية صحيحة فلابد لنا أن نتوقع أندلاع حركة جماهيرية في منتصف أو نهاية الثمانينات. حينما تضائل تأثير الهجرة للخليج و القروض التي أحدثت أنتعاشا في أواسط السبعينات. خاصة و عام 87 شهد إفلاس الدولة المصرية. لكن تلك الفترة منذ منتصف الثمانينات حتي منتصف التسعينات هي التي شهدت توسع اليمين الديني و الحركات الإرهابية. لقد أستقطبت تلك الموجة اليمينية طاقات هائلة و سخرتها في أتجاه معادي لتطور حركة شعبية. و هذه كانت الخدمة الكبري التي قدمتها تلك الحركات الإرهابية للنظام الذي سعت لأسقاطه. و تلك العملية هي التي أفرزت جهاز الأمن السرطاني الذي نعرفه اليوم.
الاقتصاد المزدوج
حينما أنتقل ملايين المصريين للعمل في الخليج ظهر في مصر أقتصادين. الاقتصاد العادي التقليدي و ذلك المعتمد علي مهاجري الخليج. و لأن ملايين شاركت في هذا النزوح الجماعي للخليج – و عددهم حوالي 3 مليون عامل أي أكثر من العمال الصناعيين- فأن هذا الاقتصاد كان من السعة بحيث أصبح ينافس و يتعايش علي الاقتصاد المصري التقليدي. و أصبح من الممكن لعامل بسيط أن يعيش حياة لا يحلم بها رئيسه في العمل رغم أن كل منهم ما زال يمارس نفس العمل لكن أحدهما في مصر و الأخر في الخليج. و بسبب و ضع الخليج فهؤلاء النازحين أليه لم يستقروا فيه بل كان بالنسبة لهم مجرد مكان للعمل. و هذه الديناميكية أدت إلي شرخ كل الطبقات الشعبية. بين من هم هنا و من هم هناك. و بالتالي عملت علي إجهاض كل مقاومة منظمة من قبل تلك الطبقات. و قد أستمرت تلك الظاهرة بعد أستيعاب الموجة الأولى من الهجرة للخليج من خلال الاستثمار الأجنبي في مصر.
و منذ منتصف التسعينات و بدء أندماج مصر بشكل أوسع في السوق العالمي و تطبيق برنامج البنك الدولي بشكل كامل. أصبحت هناك درجة من الانتعاش الاقتصادي تشمل الشرائح الطبقية الأقرب لحاجات هذا السوق العالمي– السياحة و الترانزيت و قطاع البترول. بل و خلقت في مصر بالإضافة إلي الطبقة الرأسمالية طبقة وسطي يمكن تسميتها طبقة وسطي جديدة من هؤلاء الفنيين و الإداريين الذين يعملون لخدمة فرع الاقتصاد العالمي في مصر. أي أستمرت ظاهرة الاقتصاد المزدوج و تعمقت.
الانحطاط الاجتماعي و حدود المقاومة
و من ناحية آخري فقد عرف المجتمع المصري ظاهرة – ربما جديدة – و هي وجود طبقة واسعة من الناس خارج العملية الإنتاجية إما بشكل كامل أو جزئي. بمعني أن هناك أعداد واسعة من الناس لا تشارك بشكل منتظم في عملية أنتاج السلع و الخدمات و تعيش حرفيا علي هامش المجتمع. و هؤلاء الذين أسقطهم مجتمع العولمة من حسابه لا يملكون بحكم وضعهم أمكانية كبيرة للاحتجاج – ناهيك عن التعليم – كي يلتحقوا بصفوف اليسار.
و المتأمل للحركة الاحتجاجية المتقدة منذ 2000 يجدها تكاد تنحصر في ضحايا عملية أندماج السوق المصري في السوق العالمي.وهم عمال الشركات المخصخصة الفاشلة و موظفي الحكومة و الفلاحين الذين أنتزعت منهم أرضهم قهرا.و موظفي الحكومة جزء كبير منهم حقيقة بطالة مقنعة تم تعينهم في سنوات بعيدة لامتصاص غضب الشعب – مثلا وزارة التعليم تضم 1.2 مليون موظف منهم 400 ألف أداريين أي أن لكل 2 مدرسين أداري! و من المؤكد أن هؤلاء ضحايا النظام الرأسمالي لكن هذا لا ينفي كونهم بطالة مقنعة. و كونهم بطالة مقنعة يضعف جدا هامش المناورة لديهم و يضعهم في وضع بالغ البؤس -مثلا مرتب موظفي المعلومات في المحليات 100 جنية بينما الحركة العمالية تسعي لحد أدني من 1200 جنية!-و لتوضيح قدرة مجموعة من الناس علي المقاومة. أفترض أن مصنعا به 1000 عامل. هؤلاء قادرين علي المساومة و فرض بعض الشروط الأفضل لعملهم أذا نظموا أنفسهم. لكن أذا تم طرد هؤلاء الألف عامل ستتضاءل جدا قدرتهم علي المقاومة و تحسين شروط حياتهم.
و بعض الاحتجاجات تمت للدفاع عن قطاع الغزل و النسيج في القطاع العام و نجحت فعلا في وقف تصفيته تماما كما كان مخططا. و هي أيضا أحتجاجات دفاعية في المحل الأول. أما القطاعات التي أستفادت من عملية الاندماج فهي لا تشارك في الاحتجاجات. مثلا عمال خدمات السياحة و يعددهم لا يقل عن مليون. و عمال الصناعات المعدنية و الكيميائية و البناء الخ.
و ثمة قطاع عريض من السكان – ربما أكبر الطبقات عددا – هم مهمشي المدينة الذين لا يرتبطون بعمل منتظم و يعيشون فقرا مدقعا. فمثلا عدد أطفال الشوارع في متوسط التقديرات 2 مليون أي أن هناك 2 مليون أسرة تقريبا تفككت لهذا الحد بفعل الفقر المدقع. هؤلاء أيضا لا يشاركون في الاحتجاجات إلا عرضا و في الكوارث رغم تدني حالتهم البالغ.و من يسمون المهمشين بسبب عدم مشاركتهم بشكل منتظم في العملية الإنتاجية لا يملكون لا التجمع و لا التنظيم و لا الرافعة التي تمكنهم من الاحتجاج المنظم. فهم أبس حالا من العمالة المقنعة. و في هذا السياق يجب التأكيد علي أن الانضمام لليسار ليس مجرد أختيار ثقافي حينما نتحدث عن جموع الشعب. الانضمام لليسار تعبير عن حركة مقاومة للاستغلال الرأسمالي من ناحية و سعي لتطوير هذه الحركة من ناحية أخري. فكلما تدنت القدرة علي المقاومة كلما أصبح اليسار لا حاجة له في نظر الطبقات الشعبية.
يشير تقرير مركز الأرض (4) إلي أن 187 أحتجاجا وقعت في النصف الأول من عام 2010 منها 71 للموظفين و 105 لعمال القطاع الخاص و فقط 11 لعمال القطاع العام ما بين تجمهر و تظاهر و أضراب و أعتصام. و هذا يعنى أن القطاع الحكومي يحوز علي 37% من الاحتجاجات بينما وزنه النسبي حوالي 25% من المشتغلين. و للأسف لم يورد تقرير مركز الأرض عدد المحتجين – ربما لصعوبة ذلك – و لو حسبنا الوزن النسبي للاحتجاجات علي أساس عدد المحتجين سنجد القطاع الحكومي نسبته أعلي كثيرا من 37% لأن الاحتجاجات في هذا القطاع تضم الأف – مثلا موظفي المعلومات 32 ألف و 10 ألف يتظاهرون في وزراه الزراعة في المنوفية الخ. و معظم هذه الاحتجاجات تدور حول عدم أستلام المستحقات أو الأجور أو المطالبة برفع قيمة الأجور – المتدنية بشكل غير عادي كما في حالة موظفي المعلومات. أو المساواة بمناظرين في المهنة من حيث الأجر.(5-8). الاحتجاجات علي كثرتها و تنوعها تنصب في المحل الأول علي الدفاع عن الحقوق المسلوبة و من فئات تعاني من أمكانية أن تطرد أو يتقلص عملها لحد كبير.
مقارنة بعام 77
و يمكن في هذا الصدد تأمل الشعب الذي خرج في 18 و 19 يناير 77 و شعبنا الحالي. هؤلاء الذين خرجوا في أنتفاضة عارمة كان حالهم أفضل بكثير من حال شعبنا الآن. بكل المقاييس مثل نسب توزيع الدخل بين عوائد الملكية و كاسبي الأجور. فمنذ 77 ذادت عوائد الملكية و تراجع نصيب كاسبي الأجور من الثروة القومية. ناهيك عن التدهور غير المتصور في الخدمات العامة مثل التعليم و الصحة الخ. هذا علي الرغم من أن الثروة القومية تضاعفت أضعافا. لكن في 77 كانت هناك حقيقتين هامتين تفصلان الشعب عن شعبنا الحالي.
أولهما أنه لم هناك – في 77 - خيار أمام الشعب غير الدعم و ما تقدمة الحكومة من خدمات. الآن الوضع تغير كثيرا.هناك منافذ أخري مثل الوظيفة الثانية و الثالثة و مثل العمل لدي السوق العالمي. في 77 كان تقريبا معظم المشتغلين يعملون إما لدي الحكومة أو القطاع العام أو علي صلة وثيقة بهما مثل الفلاحين و الجمعيات التعاونية. الآن يعمل لدي الحكومة حوالي 6 مليون موظف و في القطاع العام أقل من مليون لكن هناك 16 مليونا يعملون في القطاع الخاص.عملية أندماج مصر في السوق الرأسمالي العالمي خلقت نافذة صغيرة للحراك الاجتماعي و مولت ما تقوم به الدولة من أسكات المحتجين بإلقاء بعض الفتات لهم.
أما الحقيقة الثانية التي تفصل شعب 77 عن شعبنا أن شعب 77 كان شعبا منتجا أكثر بكثير من شعبنا الحالي. بمعني أن الأغلبية الساحقة من الناس تعمل و بالتالي لديها القدرة علي التنظيم و درجة عالية من الترابط الاجتماعي و الرافعة الضرورية للمقاومة. حاليا قطاعات عريضة – كما أتضح من قبل – ليست منظمة في عملية الإنتاج و بالتالي قدرتها علي التنظيم لمقاومة القهر و الاستغلال محدودة. و يكفي تأمل أماكن الاحتجاجات في السنوات التي أدت إلي أنتفاضة 77 و أماكنها الآن. فقبل 77 حدثت أنتفاضات كبري في معاقل الصناعة المصرية حلوان و المحلة و الإسكندرية. كانت الطبقة العاملة المنتجة علي رأس الحركة. الآن تقع الاحتجاجات بالأساس في مواقع ثانوية أو حتى مواقع مغلقة.
و هذا وضع لا يشبه وضع الركود بعد الحرب العالمية الثانية أو بعد حرب أكتوبر و لكنه أيضا لا يوازي من حيث تأثيره التبدلات الكبيرة التي طرأت علي الطبقات الشعبية مثل تلك المصاحبة لثورة 19 أو التنمية الناصرية. يذكر الجهاز المركزي للتعبئة العامة و الإحصاء (1)أن نسبة الفقراء في مصر كانت عام 2000 16.7% ذادت لتصبح سنة 2008 21.6% و ذادت نسبة الأطفال -دون الخامسة - ناقصي الوزن من 4% سنة 2000 إلي 7.2% سنة 2008 و لكن نسبة الذين يشتغلون في عام 2000 كانت 42.3% ذادت إلي 46% من مجمل السكان بين 15 و 64 سنة. و بينما تبلغ نسبة البطالة بين الأميين و الحاصلين علي تعليم بسيط فقط 2% فأنها تبلغ 14.6% بين الحاصلين على مؤهل متوسط و 16.4% للحاصلين علي مؤهل جامعي. و رغم ذلك فقد تحسن حال الحاصلين علي مؤهل متوسط حيث كانت نسبة البطالة بينهم 20.4% سنة 2000 بينما تدهور وضع الحاصلين علي تعليم عالي فقد كان معدل البطالة بينهم في عام 2000 12.8% فقط(2). و بالبحث أكثر نجد أسواء وضع هو للنساء الشباب الحاصلين علي تعليم عال حيث تبلغ البطالة وسطهم ما يزيد عن 50%
أن الصورة التي يرسمها الجهاز المركزي هي صورة مجتمع في حالة أنتقال يعاني من أختلالات هيكلية مزمنة. فالاقتصاد قادر علي أنتاج وظائف و لكنها وظائف لا تحول دون الوقوع في الفقر. نوع الوظائف الخدمية و اليدوية البسيطة و الوظائف المؤقتة و العمل بدوام غير كامل. لكن المجتمع ينتج في نفس الوقت أعدادا ضخمة من خريجي الجامعات و لا يستطيع أن يوفر لهم وظائف تناسب تعليمهم. ناهيك أن تعليمهم تدهور كما و نوعا كما يكشف الجهاز نفسة في إحصائيات آخري(3).و بالطبع لا يستطيع تقييد الدخول للجامعات لأسباب سياسية. فالجامعات تعمل كحاجز مؤقت أمام البطالة و ليست كرافعة للقدرات و المهارات المطلوبة للاقتصاد.هذه هي صورة الشعب في وضع قلق.
و يمكن فهم ذلك من تأمل طبيعة العملية الإنتاجية في الستينات و الآن. ففي تلك الحقبة كان جهاز الدولة أما مباشرة أو بشكل غير مباشر يدير العملية الإنتاجية.و بسبب تحول الطبقة الحاكمة للارتباط بالإمبريالية و بسبب تحولها إلي الرأسمالية التقليدية. كان من المحتم رفع يد الدولة و أحلال القطاع الخاص مكانها. فتوقفت الدولة منذ السبعينات عن التنمية ثم توقفت منذ الثمانينات عن تقديم خدمات مجدية. و بداء القطاع الخاص يتولى كل شيء من الصناعة للتعليم للنقل و الكهرباء. و في هذه العملية أسقط ملايين من البشر من عملية الإنتاج التي توقفت. أنتظارا للقطاع الخاص كي يلتقط الخيط. ملايين البشر هؤلاء عمليا فقدوا وضعهم الطبقي و أضحوا ضحية أنحطاط أجتماعي. أي الحالة التي يصبح فيها المجتمع فاقدا القدرة علي تنظيم أعضائه بأي شكل. و هي حالة مماثلة لما يحدث عقب الحروب الكبري و الكوارث الطبيعية المروعة. حينما يكاد المجتمع يكف عن كونه مجتمعا. و هذه الحالة ليست شاذة بل هي الشائعة في عصرنا الحالي عصر النيو ليبرالية. و توجد مجتمعات وصلت حتي لتفكك كامل أو جزئي لجهاز الدولة – الصومال و اليمين و السودان الخ-. مثال آخر لقد أنتقلنا من مجتمع يشكل العامل أو الفلاح البسيط قاعدته و أدني المستويات الاجتماعية فيه إلي مجتمع يعتبر هؤلاء في وضع مميز. فالعامل و الفلاح البسيط الآن أفضل حالا من الموظف الذي ليس له عمل حقيقة و من الذي يجري بين السيارات يبيع منديل الورق.
و من ناحية أخري فأن أنتقال الملكية من الدولة للقطاع الخاص صاحبه تغيير للاقتصاد المصري عميق التأثير في حياة كل مصري.(9) يقول البنك المركزي أن دخل مصر عام 2009 بلغ 25 مليار دولار من الصادرات منهم 11 مليارا صادرات بترولية و دخل قناة السويس حوالي 5 مليار و السياحة أكثر من 10 مليار و تحويلات العاملين في الخارج حوالي 8 مليار. أي أن القسم الأعظم من الدخل لا يأتي من القطاعات الإنتاجية – الصناعة و الزراعة- بل من قطاعات خدمية و مالية في الأساس.ناهيك عن أنه منذ 2008 أصبح ميزان المدفوعات لا يتزن دون الاستثمارات الأجنبية. فالاقتصاد تحول لاقتصاد ريعي مالي بعدما كان أقتصاد أنتاجي أساسا. فنحن نبيع الشمس و الماء و الآثار للسياح و حق عبور القناة الخ أشياء لا علاقة لها بما ننتجه و ما نصنعه و نزرعه. و مصادر تمويل ميزانية الحكومة تعتمد بعد الضرائب علي جموع الشعب علي بيع أرض أو شركات و أشياء من هذا القبيل.تحول الملكية من يد الدولة صاحبة تغيير عميق في نوعيتها. هذا التغيير يعمل ضد صالح المنتجين.
و في تقديري فأن الطريق مفتوح أمام نجاح الرأسمالية المصرية في الاستمرار في لعبة أسكات المحتجين حتي يتعمق تأثير السوق العالمي في السوق المصري. و أيضا أمام أحتمال أن لا تستطيع مواصلة هذا الطريق فتسد كل النوافذ أمام الطبقات الشعبية. خاصة و أن الأزمة العالمية الحالية و المرشحة للاستمرار ربما أحبطت خطط الرأسمالية المصرية.
أننا – و منذ وقت طويل – أمام تبدل جوهري في الدور المطلوب من اليسار و في علاقته بالطبقة الحاكمة. فحركتي الأربعينات و السبعينات جرتا وسط درجة ما من أرتباط الطبقات الشعبية بالرأسمالية الحاكمة. هذا أصبح من الماضي. و كلتا الحركتين أيضا جرتا حينما توقفت التبدلات أجتماعية التي تسمح بالحراك الاجتماعي و بالصعود الطبقي. و كلتا الحركتين جرتا وسط شعب منتج منتظم طبقيا أكثر كثيرا مما هو الوضع الآن.هذا أيضا ربما سينتهي. الشيء المشترك بين كلتا الحركتين و بيننا الآن هو أن الطبقات الشعبية ما زالت تفتقد لأدواتها و مؤسساتها المستقلة. غياب أنتظام الطبقات الشعبية هو المسئول عن سلوكها الذي حللناه أنفا. و يتبقى أن علي اليسار أن يتعلم كيف يستفيد من التطورات الجارية و كيف يستعد للمواجهة العنيفة المقبلة. و الأهم أن الطبقات الشعبية عليها أن تتعلم كيف تنهض بنفسها بعيدا عن جهاز الدولة.
17 ديسمبر 2010
بعض المصادر
  1. http://www.capmas.gov.eg/pages_ar.aspx?pageid=802 مستويات المعيشة و الفقر
  2. نفس المصدر العمل و الأجور
  3. نفس المصدر التعليم
  4. احتجاجات العاملين فى مصر المحروسة أكثر من 300 احتجاج خلال النصف الأول من عام إعداد مركز الأرض لحقوق الإنسان القاهرة فى أغسطس 2010
  5. يقترح عدد من البحاث ضم الموظفين -عند مستوي أدراي معين- للطبقة العاملة . و مع تفهمي لدوافع هذا الاقتراح فأنني أميل إلي تصنيف الموظفين – عند مستوي أدراي معين – علي أساس أنهم طبقة موظفين مستقلة عن الطبقة العاملة.
  6. الوزن النسبي للمشتغلين طبقا للقطاع الحكومة 24%، القطاع العام 3% ،الخاص 73% حسب البنك المركزي في 2009 و أعدادهم الحكومي 5.4 مليون ،القطاع العام 0.7 مليون ،الخاص 16.5 مليون
  7. الوزن النسبي للمشتغلين طبقا للجهاز المركزي بحث العمالة خلال الربع الثاني 2010 الحكومي 24.86% ، القطاع العام 3.64% ،الخاص 69.59% ،الاستثماري 1.54 ،أخري (تعاونيات و أجنبي) 0.37%
  8. الوزن النسبي للاحتجاجات في النصف الأول من عام 2010 طبقا للقطاع – علي أساس عدد الاحتجاجات- الحكومة 37% ،القطاع العام 5% ،الخاص 56%

No comments:

Post a Comment