Sunday, May 1, 2011

من هو العامل؟

من هو العامل؟
تثار قضية تعريف العامل الآن مرة بمناسبة عيد العمال و مرة بمناسبة أقتراب الانتخابات و شرط ال 50%.و هناك تعريف رائج أسميه تعريف فقهي أو قانوني. هذا التعريف يحدد أن العامل هو من يعمل بأجر لدي الغير و ليس له سلطة أدارية علي الغير. و هذا التعريف يضم الأغلبية الكاسحة من الشعب للطبقة العاملة. فمن العالم إلي مبرمج الكومبيوتر إلي الموظف الذي يجلس علي مكتب و لا يفعل شيئا كلهم حسب هذا التعريف ضمن الطبقة العاملة!!فكل هؤلاء يحصلون علي آجر من عمل لدي الغير و ليست لهم سلطات أدارية و يبدو أنهم "لا يستغلون" آخرين.
و لنأخذ مثال يوضح كيف أن هذا التعريف خاطئ. الممثل الذي يتقاضى مليون جنية في فيلم هو عامل حسب هذا التعريف. فهو يعمل لدي الغير و ليست له سلطات أدارية. و كذلك العالم في معمله. لكن الواقع الاجتماعي يكشف عن أن هؤلاء "العاملين لدي الغير" يعيشون حياة تختلف تماما عن حياة العمال. و من ناحية آخري فأن بائعة الجرجير التي تكسب ملاليم يوميا ليست عاملة فهي لا تعمل لدي الغير بل تشتري كمية من الجرجير و تبيعها -بربح- كي تكسب منها فقرا مدقعا.
أن نقطة الانطلاق في تحديد تعريف للعامل يجب أن تنطلق من تعريف "الطبقة العاملة" و يجب أن تصب في كشف حقائق الواقع الاجتماعي الذي نحياه. فالتعريفات كلها ميتة ما لم تساعدنا أكثر في فهم مجتمعنا و فهم حركته. و الطبقة العاملة ليست مجرد عدد من العمال أو عدد من الأشخاص. الطبقة العاملة مفهوم أجتماعي مهمته أن يكون أداة في فهم الواقع الاجتماعي. فلا يوجد في الواقع شيء أسمه "الطبقة" الاجتماعية. أنما الطبقة الاجتماعية هي مفهوم – أو تجريد أن شئت – تطور من خلال دراسة الواقع الاجتماعي و من خلال التأصيل النظري له. لذا يصبح أبسط و أدق تعريف للعامل هو "العامل هو العضو في هذه الطبقة الاجتماعية المسماة الطبقة العاملة”. و واضح أن مثل هذا التعريف دائري لا يفيد كثيرا فالطبقة العاملة هي طبقة العمال و العمال هم أعضاء الطبقة العاملة.
و كي نصل لتعريف صحيح يجب أن ننتقل من الطبقة العاملة إلي خصائصها. الطبقة العاملة هي تلك الطبقة التي تبيع قوة عملها بشكل حر في السوق الرأسمالي و تتلقي أجرا . و تشتري الطبقة الرأسمالية قوة العمل هذه و تدفع ثمنها هذا الأجر .هذا الأجر أقل من القيمة المضافة لقوة عمل العمال و هكذا يحقق الرأسماليون الربح أو يجنون فائض القيمة. الطبقة العاملة هي منتجة فائض القيمة التي يستولي علية الرأسمالي بدون أن تكون مستهلكة لفائض قيمة ينتجه الآخرين. الطبقة العاملة ببساطة كما يعرف أي عامل أو عامله هي طبقة خاضعه لاستغلال الغير. و لا تستغل أحدا بل تسلب منها السوق الرأسمالية فائض القيمة و تعطيه للرأسماليين.
و الخاصية الثانية هي أن عملية سلب فائض القيمة هذه عملية أجتماعية. آي تحدث ضمن مجمل المجتمع. مثلها مثل عملية أنتاج القيمة نفسها. و هذه الخاصية هامه جدا لان فائض القيمة المنتج أجتماعيا يعاد توزيعه مرة بعد مرة بأشكال شديدة التنوع.
العمال و الطبقة العاملة هم منتجين للقيمة و يسلب منهم فائض القيمة. بدون خاصية الإنتاج و السلب لا يمكن أن نوصف هذا أو ذاك الذي يعمل بأجر باعتباره عاملا. علي أن تفهم هذه الخواص بشكل اجتماعي شامل.
لذلك فالممثل الذي يكسب ملايين ليس عضوا في الطبقة العاملة بدون شك – رغم أنه منتج للقيمة - لانه لا يفقد فائض قيمة منتج. بل علي العكس هو يتلقى فائض قيمة متحصل من شباك التذاكر. الممثل يستغل جمهور السينما. و كذلك البنك لا يكسب أرباحه من التحصل علي فائض القيمة الذي ينتجه العاملين في البنك – و هم غالبا يتلقون أجورا عالية – بل يحصل البنك علي فائض القيمة الذي ينتجه العمال و الفلاحين ثم ينتقل للبنك عن طريق الفوائد.و المبرمج أيضا يتلقى أجرا عاليا جدا قسم من هذا الأجر يأتي من فائض القيمة التي ينتجه مستهلكين عمل المبرمج.ومن ناحية آخري الموظف الغلبان الذي يذهب لبيته بمئات قليلة لا تكفي لآي شيء لكنه لا يقوم بعمل فعلي – أي لا ينتج قيمة - بل كل دوره في الحياة هو أن يمضي حضور و أنصراف هو أيضا ليس عاملا رغم أنه لا يستغل أي كان ببساطة لانه غير منتج لآي قيمة بل هو متلقي لفائض قيمة منتج أجتماعيا عبر الدولة كإعانة بطالة مقنعة. و لا يمكن حتي أعتباره من جيش العمل الاحتياطي خاصة و هو أو هي بعد سنوات من البطالة المقنعة لا يجيد شيئا نافعا.
و الطبقة العاملة لا تتحدد خصائصها فقط بعملية الإنتاج و السلب. بل بجمله من الخصائص الذهنية و الثقافية الخ. فعملية الإنتاج و السلب فقط تمثل القاعدة التي تنهض عليها جمله من الخصائص. فنحن لسنا إزاء آلات أو ريبوتات نحن إزاء بشر مواطنين. و بالطبع تتبدل تلك الخصائص بتبدل الصراع الطبقي و مزاج و تنظيم الطبقة العاملة. و نحن يوم عيد العمال الذي تقرر عقب أضراب العمال في شيكاغو نجد أن الطبقة العاملة الأمريكية أبتدعت مفهوما عن عابري خط الأضراب – البيكت لين – و ترسخ هذا المفهوم وسط العمال حتي أصبح أمرا يتعلق بالشرف. فمن يعبر خط الأضراب هو شخص فاقد للشرف و هو نوع من الذم المهين لأي عامل. و عندنا مفهوما مقابل – و أن لم يكن بنفس العمق- عن كاسري الأضراب. و كذلك مفهوما عن المتعاملين مع الأمن. مثل تلك المفاهيم التي لها أنتشار واسع بين العمال بل و تتجسد في تعبيرات فنية و أدبية الخ. تمثل واقعا ثقافيا و معيشيا عماليا خاصا. فالعمال يبنون بيئة خاصة بهم – رغم تنوعها – و العامل هو من يعيش في هذه البيئة.
و لنبحث حال أكثر أهمية و هو العمال الزراعيين. يشترك العامل و العامل الزراعي في أنتاج قيمة و في سلب فائض القيمة من كل منهم.لكن هل يستحسن أن نضم العامل الزراعي إلي الطبقة العاملة؟ طبقة العمال الزرعيين طبقة كبيرة في بلدنا و لها خصائص معيشية و ثقافية و نفسية نابعة من وضعها الاجتماعي و من أداة الإنتاج الرئيسية التي تتعامل معها و هي الأرض. بينما العمال لهم خصائص مختلفه نابعة من تعاملهم مع الآلات. و يمكن لكل مصري تقريبا أن يفرق بين العمال الزراعيين و العمال. و غالبا ما يميل نضال العمال الزرعيين إلي الاندماج مع فقراء الفلاحين في المطالبة بإصلاح زراعي يتيح لهم الحصول علي أرض تخصهم. بينما يميل نضال العمال إلي تحسين شروط عملهم. لذلك فمن أجل فهم الواقع فهما أفضل و بسبب الاختلافات بين العمال الزرعيين و بين العمال و بسبب حجم العمال الزراعيين يجب أدراج طبقة مستقلة للعمال الزراعيين. هذا هو دور التعريف. و ربما في المستقبل – كما في المجتمعات المتقدمة – تتحول طبقة العمال الزراعيين في مصر إلي طبقة تتعامل مع الآلات أساس -آلات الزراعة- و يصبح من الأفضل وقتها أعتبار العمال الزراعيين جزء من الطبقة العاملة. و أستطرادا الصيادين في مصر أيضا عدد كبير و أصولهم ريفية غالبا لكنهم يشتركون مع الطبقة العاملة ليس فقط في خضعوهم لاستغلال أصحاب العمل بل أيضا في الميل إلي أن يكون نضالهم مرتبط بتحسين شروط العمل لذا فأعتقد أن فئة الصيادين يجب أن تكون جزءا من الطبقة العاملة.
و مثل العمال الزراعيين الموظفين. في حالة مصر خصوصا الموظفين الذين يعملون لدي الحكومة هم 6 ملايين أي طبقة واسعة العدد. و هم ينتجون و يسلب منهم فائض قيمة – أحيانا – لكن أليس من الأفضل لحالتنا المصرية أن نفرد طبقة خاصة للموظفين؟ و هم بهذا العدد الكبير. و هم في بيئة ثقافية و عملية مختلفة تماما عن العمال؟ ناهيك عن أن طبقة الموظفين تضم فئات عالية جدا في مستوي معيشتها بالقياس للعمال – وفئات أقل من العمال أيضا- و ربما لا يستحسن ضم الموظفين لطبقة البرجوازية الصغيرة لأن هذا يطمس طبيعة عملهم المكتبية.
أن تاريخ الأدبيات اليسارية يحتوي علي الكثير من الطبقات الرأسمالية. فهناك الرأسمالية المنتجة و الطفيلية و البيروقراطية و الكمبرادورية الخ. و كل هذه المسميات تضم أناس يستحوذون علي فائض القيمة الاجتماعي بشكل أو آخر.و الغرض من إفراد طبقة خاصة لكل هؤلاء هو التشديد علي طريقة جني فائض القيمة المسلوب أجتماعيا. فإذا كنا نملك حرية تقسيم الرأسمالية إلي طبقات متعددة -لا شك كي نفهم حركتها أكثر – فلما لا نتبع نفس المنهج مع الطبقات الشعبية؟ فيكون لدينا طبقة عاملة و طبقة موظفين و طبقة عمال زراعيين و كذلك طبقة مهمشين بالإضافة للفلاحين و البرجوازية الصغيرة. كل طبقة من هذه الطبقات لها طريقة خاصة في الحياة مرتبطة بأدوات أنتاج محددة و من مصلحة النضال عدم طمس هذه الحقائق
أن العامل هو من يعمل بأجر لدي الغير و لا يقوم هو باستغلال الغير و يتلقى آجرا يضارع متوسط أجور العمال و يعيش ضمن الإطار العام لحياتهم.

No comments:

Post a Comment

Post a Comment