Monday, November 19, 2012

اليسار المصري و الثورة المصرية

اليسار المصري و الثورة المصرية

لم يكن تراجع اليسار المصري طوال العقود الثلاث الماضية مجرد خيار أحمق. أنما نشأت عزلة اليسار عن واقع موضوعي "جديد" في الصراع الطبقي في مصر . هذا الواقع المتمثل في تخلي الرأسمالية عن أي قدر من معاداة الاستعمار بل و أنتقالها للتبعية . التبعية أملت تحولات أقتصادية و أجتماعية خلقت واقعا جديدا لم يدركه اليسار . كان اليسار المصري علي وشك حسم خلافاته التي أثارتها تحولات الرأسمالية في عقد الخمسينات و تصدر الشريحة البيروقراطية لها. و قبل أن يفلح تماما في صياغة مفهوم ماركسي لما حدث في الخمسينات فاجأه ما حدث في السبعينات .

و أشتبك ذلك مع مسار جديد في الصراع مع إسرائيل و استعاده سيناء – حتي و أن كانت شكلية لحد كبير -. عدم أدراك اليسار لتطور الصراع الطبقي و انعكاساته خصوصا علي صعيد تبدل الواقع الاجتماعي و علي صعيد قضية تحرير سيناء جعله أقل قدره علي تبني مفهوم ماركسي عن الواقع و عن صياغة شعارات مناسبة. بل أن اليسار لم ينتبه مبكرا بما يكفي للتبدلات التي وقعت في الطبقات التي يزعم التحدث باسمها.و لم يدرك في حينه لما انتفلت من حالة التوهج و الانتفاض حتي 77 إلي حال الهدوء و السكينة.و بينما يعزو كثيرين عزله اليسار لأمراضه الخاصة مثل التعصب و الحلقية و الشخصانية ففي الواقع لا تجد هذه الأمراض نفسها تفسيرا إلا في هذا الواقع الجديد المستعصي علي الفهم نفسه دون أستبعاد تأثيرها العائد. و كي تتفاقم قضية عزلة اليسار لم يكن التحول الداخلي المصري بمعزل عن التحولات علي الصعيد العالمي.بل كانت التحولات التي جرت بمصر جزء من تلك التحولات العالمية و اليسار المصري هنا أقل حتي إدراكا للمسرح العالمي. تلك التحولات التي أفرزت من ناحية العولمة و من ناحية أخري أنهيار ما عرف باسم المعسكر الاشتراكي.

أن فشل اليسار في فهم ما يجري حوله من تبدلات جعل اليسار أقل قدرة علي ملائمة أوضاعه للتطورات الجديدة و صياغة الشعارات المناسبة لها. خاصة و أن أول السبعينات شهدت مد جماهيري واسع حتي أنتفاضة 77 -و مد يساري عالمي مرتبط بثورة 68 و حرب فيتنام – و أمتلاك اليسار وعيا صحيحا بتبدلات الواقع لم يكن ليمنع العزلة و لكنه كان يبدد من آثارها السلبية و يجعل اليسار أكثر أستعدادا لتحفيز الحركة الجماهيرية خصوصا في عقد الثمانينات و بشكل خاص منذ سنة 2000 . الوعي بالواقع لا يبدله لكنه يمكننا من التعامل معه بأفضل ما يمكن.و علاوة علي ذلك مثل بداية تفكك الكتلة الاشتراكية في أول الثمانينات حتي الانهيار الكامل للاتحاد السوفييتي معضلة كبري بالنسبة لمعظم القوي اليسارية التي اكتشفت فجاءة حدود الأنظمة الاشتراكية و لم يمكنها في نفس الوقت تقديم فهم واضح لما يجري خاصة و أنه يتطلب مراجعة شاملة للكثير من المفاهيم السائدة وسط اليسار.

عرفت مصر تغيرا جارفا في العقد السابق علي الثورة بدء من مظاهرات تأييد الانتفاضة الفلسطينية الثانية. و في هذا العقد تطورت حركتين اجتماعيتين الحركة الاحتجاجية التي تحاول الدفاع عن المستوي المعيشي المتدني إزاء هجمات الرأسمالية الطفيلية المتتالية. و حركة الحريات العامة الهجومية في مواجهه الاستبداد. كلتا الحركتين شكلتا أساسا مهما لعودة اليسار للمجال العام.و استجابة اليسار لكلتا الحركتين أقل ما يقال عنها -في تلك الفترة- هي أنها أستجابة باهتة.حزب التجمع واصل أنحداره المتسارع تحت قيادة رفعت السعيد لكي يصبح تابعا للنظام حتي أنه قبل تزوير الانتخابات لصالح أحد أعضاؤه. برز أتجاه يساري -أسميه يسار بدائي شعبوي- في صورة الاشتراكيين الثوريين و لعب دورا مهما و أن كان تحالف مع اليمين الديني صراحة كما تحالف التجمع مع اليمين السلطوي. و الهالة الواسعة من اليساريين من مختلف الأشكال لم تنجح لا في تنظيم نفسها و لا في وضع أسس لنظرية ثورية مصرية. و محاولات الوحدة فشلت -كما كان متوقعا- علي صخرة غياب النظرية و التنظيم.

كان أنطلاق الحركتين تعبيرا عن تراجع العناصر التي أدت للهدوء الاجتماعي طوال العقود الثلاثة السابقة . أي الرواج الاقتصادي و صعود اليمين الديني مدعوما من السلطة و حروب الإرهاب الإسلامي.
في تلك الفترة -من 2000 حتى الثورة- نشهد أستمرارا لعقود العزلة أنطلاقا من نفس الأسس غياب الوعي بطبيعة التحولات الاجتماعية الجارية و بالتالي غياب نظرة ثورية نقدية لها.

حينما اندلعت الثورة في 2011 لم يكن اليسار إلا تيارا ضعيفا ضمن تياراتها المتعددة. لكن الثورة ذاتها كانت عملا يساريا بامتياز. ففي 18 يوما في التحرير تجلت مكونات المجتمع التي يحلم بها اليسار الديمقراطية – المساواة – حقوق الفقراء. في تلك الأيام كما أنهار نظام السلطة انهارت أيضا نظريات اليمين الديني عن التغيير عبر الإرهاب أو عبر تسلق السلطة القائمة و محاولة تغييرها من داخلها. و بعد الثورة تحرك اليسار مدفوعا بضخامة الحدث و بمدد من الشباب يبحث عن تأصيل ما أكتشفه في غمار الثورة لدي قوي اليسار. و نشأ واقع اجتماعي – سياسي جديد يطرح علي اليسار نفس التحدي الجديد القديم. فهم طبيعة التحولات الجارية و أستنباط نظرية ثورية ملائمة لها و الانتظام حول أختبار هذه النظرية في الممارسة اليومية.

أن أحد خصائص الحركات الثورية الكبري هي كونها تسبق المجتمع الرأسمالي في صياغة نظرية قابلة للحياة عن التغيير الثوري.فبدون أن يقدم فصيل سياسي رئيسي موقفا واضحا عن تغيير المجتمع و يعمل علي نشره بكل السبل و يتحول هذا الموقف لتيار شعبي حقيقي لا يمكن تصور نجاحه في أنجاز تغيير اجتماعي-سياسي.

علي كل حال قامت بعد الثورة عديد من التنظيمات اليسارية الجديدة و ظهر للعلن الحزب الشيوعي المصري و قليل من الجرائد التي تميل يسارا. و من ضمن التنظيمات التي ظهرت الحزب الاشتراكي و حزب التحالف الشعبي الاشتراكي و حزب العمال و الفلاحين و الاشتراكيون المصريون و تنظيمات أخري.و هذه التنظيمات خليط من محاولة لبناء حزب جماهيري واسع يساري دون تبني مسبق للماركسية و تنظيمات ماركسية صراحة. و تتكون القاعدة العريضة لهذه التنظيمات من شباب يميلون لليسار بشكل عام دون التزام محدد بمنهج فكري و دون حتي رؤية بعيدة المدى أو برنامج و غالبا بقليل من الخبرة السياسية و كثير من الحماس العملي. كما تتشكل القيادات غالبا من عناصر اليسار "القديم" الذي أصبح خليط واسع من الماركسيين و أشباه الماركسيين و الذين لا يجمعهم تصور واحد عن كيفية التقدم بقضية اليسار للأمام . و قد ظهرت خلافات واضحة في كل أنعطاف بينهم بدء من المشاركة في انتخابات مجلس الشعب أو المقاطعة ثم أنتخابات الرئاسة ثم الموقف من المرحلة الثانية في انتخابات الرئاسة و التي انحصر فيها السباق بين ممثل الإخوان و ممثل لنظام مبارك المخلوع. و كما هو معروف فقد شاركت قوي يسارية في أنتخاب مرسي بل حتي اعتبرت نجاحه "نصرا للثورة" مما يكشف عن غياب تصور واقعي عن العملية السياسية الجارية و طبيعة الصراع الذي جري منذ الثورة بين قوي الثورة من ناحية و المجلس العسكري و الإخوان و السلفيين من ناحية أخري.

و رغم الحركة و رغم تفتح مسام الشعب الثوري و رغم نضالات عديدة لشباب اليسار و شيوخه تظل معضلة اليسار القديمة قائمة متوارية علي أستعداد أن تنقض عليه في أي لحظة معضلة أنضاج مفهوم ثوري عن الواقع الاجتماعي و بناء نظرية ثورية و أختبارها في الممارسة. و القضية هنا ليست مجرد كسل ذهني يساري لكنها مرة أخري واقع موضوعي.

تتشكل المعضلة التي تواجه اليسار في أن الرأسمالية المصرية أنتهي عصرها منذ عقود طويلة و كل تغيير إيجابي لصالح أوسع طبقات الشعب الكادح لن تتم إلا بقيادة تلك الطبقات الكادحة نفسها. و هذا تبدل جوهري في مجري الصراع الطبقي. فقد كانت الرأسمالية منذ ثورة 1919 هي التي تقود عمليات التقدم الاجتماعي و التحديث. لكن من ناحية أخري فأن الإطاحة بالرأسمالية كنمط أنتاجي و أنتهاج نمط اشتراكي أمر غير متاح لعديد من الأسباب علي رأسها مستوي نضج قوي الإنتاج – الطبقات الشعبية – و مستوي نضج المفاهيم عن الاشتراكية في القرن الحادي و العشرين.بكلمة أخري فأن المجتمع يستدعي قوي اليسار للقيادة لكنه لا يستدعيه للقيادة للوصول للاشتراكية لكن لحل مأزق الرأسمالية نفسها.

أن وضع القضية بشكل صحيح يمثل نصف الطريق لحلها كما يقال.و علي المستوي العالمي يتبدى نفس المأزق فبينما القوي الإمبريالية تزداد عنفا و شراسة و تخبطا في أزمتها الطاحنة فأن القوي المؤهلة لمواجهتها ما زالت جنينية سواء من حيث المفهوم أو الواقع المادي.

كان الفهم اليساري للتطور المحتمل للصراع الطبقي سابقا ينقسم لتيارين عريضين .أولهما أن ثورة أجتماعية بقيادة الطبقة العاملة ضمن حلف من العمال و الفلاحين ستطيح بالرأسمالية و تبني الاشتراكية فورا .أو ستكون هناك مرحلة من استكمال التحول الديمقراطي عبر فرض نظام حكم تعددي ديمقراطي و من ثم قيام الاشتراكية. و ثانيهما هو ذاك القسم من اليسار الذي كان يقول بأن المرحلة مرحلة تحول ديمقراطي و يعنى أن الرأسمالية ما زال لها دورا تقدميا تلعبه.و بصرف النظر عن العزلة اليسارية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي فهذه المفاهيم ما زالت هي السائدة. مفهوم عن التحول الاشتراكي ينقصه ضعف تطور الطبقات الشعبية بل و انحدارها كما ينقصه فهما عن الاشتراكية يجيب عن تساؤلات مآل الاشتراكية السوفيتية. مقابل مفهوم عن التحول الديمقراطي ينقصه أن الرأسمالية حاكمة و تحولت لكمبرادور و لن يمكنها أن تقدم جديدا لقوي الإنتاج بل علي العكس تدمرها تدميرا.

و رغم أن اليسار أتاحت له تطورات الصراع ظهور انتفاضة 77 التي حملت كثيرا من بذور الإجابات الأولية علي المعضلات السابقة. و أنتفاضة 77 كانت موجه عالمية شملت دولا عديدة في العالم المتخلف. إلا أنه لم ينتبه أليها بالشكل الكافي و خصوصا لدورها الحاسم في تغيير مسار علاقة اليسار بالحركة الشعبية.

علي كل حال كانت ثورة 2011 هي الفرصة الثانية لليسار.فما الذي قالته الثورة؟

1 – بداية قالت ثورة يناير أن الثورة هي طريق التغيير و أنها ليست وهما و لا حلما و أنها مطروحة علي جدول الأعمال و ليست مستبعدة و أن كل تفكير يستبعدها يقضي علي نفسه بالانحطاط
2 - ثانيا الثورة أوضحت أن الحلف الطبقي الضروري لإنجاز الثورة هو حلف مكون من العمال و الفلاحين و فقراء المدن و الطبقة الوسطي و خاصة الانتلجنسيا.و أن هذا الحلف هو المنوط به أنجاز تغيير لصالح أوسع قطاعات الشعب.
3 – أن الثورة لا يمكن أن تحقق نجاحا دون هدف ثوري واضح و محدد و قيادة ثورية قادرة علي لم أطراف هذا الحلف الواسع
4 – أن هدف الثورة لا يمكن أن يكون الاشتراكية في ظل الشروط الموضوعية و الذاتية القائمة.
5 – أطلقت الثورة عددا من التكتيكات و أشكال الحركة المتنوعة و أعادت ثانية للأذهان مقولة "النظرية لا شيء الحركة كل شيء”.

و هنا يبرز التحدي الأكبر لليسار المصري و هو كيف يمكن فهم الاشتراكية كما هي في الواقع و كيف يمكن تقديم تصور فكري و نظري عنها يستوعب ليس التحليلات النظرية فحسب بل أساسا التطور الواقعي و ممكناته كما وضحته بأجلي صورة الثورة و كيف يقدم بديلا نظريا يتوافق مع هذه المعطيات الجديدة.

و في تقديري و تقدير عدد من الكتاب أن الطرح الملائم للواقع المصري هو الجمهورية الديمقراطية الشعبية التي تعني سلطة جبهة شعبية واسعة من عديد من القوي السياسية و النقابية. هذه الجمهورية لا تتجاوز الإطار التاريخي للرأسمالية و لا أقتصاد السوق بل علي العكس تعزز التطور الرأسمالي و تفتح الباب مجددا أمام نمو قوي الإنتاج علي هذا الأساس و لكن بشروط شعبية و ديمقراطية. بمعني أخر هي تنضج الرأسمالية كي يمكن تجاوزها تجاوزا حاسما في شروط عالمية جديدة.

علي أنه لا يكفي أن نحدد الإطار النظري لتوجه قوي اليسار. لكن علينا أيضا أن نطور مفاهيمنا حول عدد من القضايا المحورية المرتبطة بسلطة الديمقراطية الشعبية.
قضية العلاقة بين الملكية و الدولة و يتبعها قضية السوق و التخطيط و قضية نمط التنمية الاقتصادية
قضية العلاقة بين سيطرة المنتجين و التعددية السياسية و يتبعها قضية حرية الإعلام !!!
قضية العلاقة بين الاستقلال الوطني و التعاون العالمي و الاعتماد المتبادل
قضية العلاقة بين الانفتاح علي المنجزات الفكرية و بين التراث الشعبي
قضية العلاقة بين الدولة المركزية و بين السلطات المباشرة للشعب
أن اليسار المصري أمامه فرصة تاريخية لا شك فيها و في نفس الوقت أمامه مخاطر أكبر من كل ما عرفه من قبل. لان تطور الواقع المصري مفتوحا علي كل الاحتمالات بدء من دولة ثيوقراطية فاشية الطابع إلي نظام ديمقراطي شعبي. و لن ينقذ اليسار من المخاطر و لن تفتح نافذة علي العالم الجديد دون أن يتحول اليسار إلي تيار شعبي راسخ أي دون أن يستطيع أقناع الملايين بتوجهاته و أهدافه.

5 comments: