Saturday, November 24, 2012

الثورة المصرية ضد الإخوان

الثورة المصرية ضد الإخوان

كان من المحتم علي الرئيس مرسي أن ينتهج سياسية استبدادية ديكتاتورية بشكل أو بأخر. فالإعلان الدستوري الذي أصدره مؤخرا هو بالنسبة له و لحكمه ضرورة لا محيص عنها. فالنظام الإخواني يحمل مصائب للشعب المصري . هناك أولا أتفاق هدنة غزة الذي سيستتبعه تواجد أمريكي عسكري في سيناء و ربما أيضا توطين الغزاوية فيها . و هناك أتفاقية القرض مع صندوق النقد الدولي التي ستؤدي لسياسية أنكماشية في عز الأزمة الاقتصادية مما سيرفع الأسعار أكثر و سيكتوي بلهيبها عامة الشعب. هذين المحورين هم في الحقيقة نفس المحور محور الاستقلال السياسي و الاقتصادي في مصر. لذا بالنسبة لهذا النظام لابد من تمرير دستور قمعي رجعي ديني بأي ثمن.


و سوف نبدأ بعرض علاقة النظام الإخواني بالأطراف المختلفة للصراع

نظام الإخوان و القضاء
كان القضاء المصري أيام مبارك لحد ما منحاز للإخوان و هناك العديد من الرموز القضائية التي تعتنق فكرهم -مثلا الجمعية العمومية للقضاء رفضت مشاركة المرأة لاعتبارات إسلامية – رجعية بأغلبية ساحقة- وقد تمتع القضاء حتي أيام مبارك بقدر نسبي من الاستقلال. و قام بمعاندة مبارك مرات عديدة بما فيهم حينما أسقط مجلس الشعب . بل و تمرد القضاء علي مبارك لحد الاعتصام و حدثت مواجهات عديدة بين القضاة و نظام مبارك. فالاستقلال بالنسبة للقضاة ليس حاجة مهنية فحسب بل أيضا مصدر للامتيازات الضخمة التي يتمتعون بها. و مع مجيء النظام الإخواني و مع التفكك المتزايد لجهاز الدولة أصبح للقضاة خاصة المحكمة الدستورية العليا و ضعا مميزا جدا باعتبار أنهم قادرين علي التأثير بفاعلية في أعادة صياغة الواقع الاجتماعي. و قد أسقطت المحكمة الدستورية البرلمان الإخواني و من المنتظر أن تفعل نفس الشيء مع باقي المؤسسات الإخوانية مجلس الشوري و الجمعية التأسيسية. هذا يصطدم بقوة بالمشروع الإخواني الاستبدادي.أن النظام الإخواني لا يحمل للقضاة إلا وضعا أسواء من وضع مبارك و مسودة الدستور الموضوعة تكشف عن هذا بجلاء فمن الطبيعي أن يحدث صدام بين الطرفين . و هذا ينطبق علي كل الفئات الفاعلة الصحفيين و المحامين و غيرهم غير أن القضاء لديه ميزة الاستقلال التي تمترس خلفها.

نظام الإخوان و الجيش
بات من شبه المؤكد أن إطاحة مرسي بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة كان نتاج لتوافق مع الصف الثاني من كبار القادة. كنتيجة لفشل المجلس في أدارة الفترة الانتقالية. و تمت الإطاحة برعاية أمريكية. و الجيش أو بالأحرى قيادته تتمتع بوضع دولة داخل الدولة و قد منحهم مرسي هذا الوضع مجددا بل كرم من تمت الإطاحة به من القادة و وقف بعناد ضد محاسبتهم. لكن تصوير الجيش باعتباره مجرد أمبراطورية مصالح اقتصادية هو تصوير قاصر. فقيادات هذا الجيش جزء رئيسي من الطبقة الحاكمة و يهمها الاستحواذ علي أكبر قدر من السلطة و الثروة معا. و قد كانت أحد دوافع المجلس الأعلى للانقلاب علي مبارك معاداتهم لتوريث الحكم لجمال مبارك رغم أن هذا ليس متصلا مباشرة بمصالحهم الاقتصادية. و الجيش علاوة علي هذا هو أكبر مؤسسة علي صله مباشرة بالراعي الأمريكي. لذا كان من المنطقي أن يتذمر الجيش من الأخونة السريعة و العميقة للدولة فهي تعتدي علي ما يعتبرونه حقوقهم. و قيادات الجيش تدرك جيدا أن الانقلاب العسكري أمرا ليس ميسورا. فلم يحدث أنقلاب عسكري في مصر منذ 60 سنة. و عقيدة الجيش هو أنه يحمي "الأمن القومي المصري" أي أنه من ناحية لا ينحاز سياسيا و من ناحية أخري فوق الانحيازات السياسية و أكبر منها. ثم أن تجربة الحكم الانتقالي تحت حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة و الفشل الزريع لابد أنها حاضرة بقوة. غير أن هذا لا يعني استبعاد كامل للانقلاب العسكري. و الإخوان يدركون ذلك و يدركون أنه يمنحهم حرية حركة لكن ضمن حدود معينة بانتظار أن تتعمق أخونة الدولة بشكل كافي حتي يصبح الجيش أو قسما مهما منه تحت سيطرتهم التامة.

نظام الإخوان و الداخلية
رغم العداء المتواصل بين الإخوان و الداخلية لعقود طويلة خاصة في حكم مبارك فأن هذا العداء أرتبط بعلاقات "عمل" و أتفاقات سرية و من أبرزها التوافق بين الطرفين الذي سبق الانتخابات التشريعية عام 2005 يدرك الإخوان أن الداخلية هي الركيزة الرئيسية لنظام الحكم. و هي سلاح هذا النظام في مواجهه القوي السياسية و الحركات الشعبية. لذا فأن نظام الرئيس مرسي حافظ علي الهيكل الموروث للداخلية بل و رفع مرتباتها و لم يعزل العناصر المتورطة في قتل الثوار بل أعتبرها عناصر رئيسية ستدين بالولاء للإخوان فلا يمكنها أن تجد حماية شعبية و المتظاهرين يطالبون برؤوسهم. و هكذا يجد نظام مرسي نفسه في تناقض حاد بينما يدعي التحدث باسم الثورة و الثوار يوظف في أعلي المراكز في الداخلية قتله الثورة و الثوار. و قيادات الداخلية تدرك جيدا أن مرسي في أي لحظة يمكن أن يلقيهم للشعب ككبش فداء إذا اضطرته الظروف لذلك. فالنظام الإخواني لم يحكم بعد سيطرته علي الداخلية. علي مستوي أخر فأن الداخلية ما زالت مستمرة وسط حالة الاحتقان الاجتماعي الشديد تقوم بدورها في التعذيب الذي يصل للقتل و الاعتقال العشوائي و الإهدار الواسع لحقوق الإنسان محاولة منها لفرض هيمنها السابقة التي أنهتها الثورة. فالداخلية كما يقول الثوار "بلطجية" و ربما ازدادت بلطجيتها بحكم هزيمتها الساحقة أمام الثورة في مطلع 2011. و لذا فأن هناك ألتقاء موضوعي بين الداخلية و الإخوان لفرض هيمنة الحكم الجديد و لقمع القوي الثورية و لقتل روح التمرد وسط الشعب.

نظام الإخوان و القوي الثورية و الديمقراطية
بدء شهر العسل بين الإخوان و القوي الثورية عقب حالة الانهاك التي وصلت أليها تلك القوي في صراعها البطولي مع الجيش و الشرطة طوال عام 2011 . و علي خلفية هذا الإنهاك و بسبب أخطاء فكرية و سياسية قديمة. أدي هذا العنصر الموضوعي إلي تغاضي بعض القوي الثورية عن "خيانة" الإخوان للثورة. و أضع كلمة خيانة بين مزدوجين لأنها الكلمة التي أطلقت بينما في الحقيقة لم يخون الإخوان الثورة كما يفهمونها. فالثورة بالنسبة لهم هي وصولهم للحكم و ليست أي تغيرات سياسية و اجتماعية اللهم إلا إلي مستوي أدنى من مبارك. و انتفلت قوي ثورية إلي خانة تأييد الإخوان في الانتخابات الرئاسية سواء في صورتهم المعدلة "أبو الفتوح" أو في صورتهم الصريحة "مرسي" و شارك في هذا طيف واسع من القوي الثورية بدء من الاشتراكيين الثوريين مرورا بحركة 6 أبريل وصولا لعديد من الكتاب و الرموز الليبرالية. و كانت الحجة المقدمة دائما هي أن الإخوان هم أفضل الموجود. ليس هذا فحسب بل انطلقت الأصوات عن "الليبرالية" وسط الإخوان. و أفكار من نوع نقل الصراع من المستوي الديني / المدني المتوهم للمستوي الاجتماعي المتوهم غيابه من ناحية أخري.و ساهمت هذه القوي في أنجاح مرسي بعد أن قطع لهم الوعود و العهود في مشاهد كوميدية سوداء.لكن سرعان ما اتضحت الحقيقة لكثير من هذه القوي و أنها غرر بها أو بالأحرى غررت بنفسها. وبدء الانفضاض عن الحكم الإخواني بعدما أتضح أنه ليس إلا نسخة مشوهه من حكم مبارك بل يتفوق عليه في تضليل ديني و شعوذات واسعة النطاق. و بمناسبة مرور 100 يوم علي حكم مرسي انطلقت فاعليات مضادة للإخوان. من ناحيتهم أهمل الإخوان تلك القوي الثورية حال وصولهم للسلطة فقد حققوا لهم المطلوب منهم و أصبحوا عائقا أمام الديكتاتورية الدينية المنتظرة. و بالطبع كان الإخوان أسرع في أدرك حقائق الأمور من تلك القوي الثورية. و من السخرية أن يتهم الإخوان القوي الثورية بمعاداة الثورة. علي مستوي أخر تواصلت الحركة الاحتجاجية الجبارة مع مزيد من رفع الأسعار و مزيد من التهميش الاقتصادي. و بدأت طلائع هذه الحركة تدرك أن نظام الإخوان هو نظام مباركي بذقن لا أكثر. بل أن الحركة الاحتجاجية كانت أسرع في أدراك وقائع الأمور من تلك القوي النخبوية التي أيدت مرسي من منطلق ثوري. و بالتالي أصبح صدام القوي الثورية و الشعبية مع النظام الإخواني قضية وقت. و ما أخذ 30 عاما في حكم مبارك أنضجته الحالة الثورية في مصر في 3 شهور.

أننا نشهد لوحة معقدة للصراع الاجتماعي تشتبك فيها الصراع بين أطراف الطبقة الحاكمة علي نصيب كل منهم من الثروة و السلطة و أعادة توزيع الأنصبة. و في نفس الوقت صراعا من جانب هذه الطبقة ككل بكل شرائحها في مواجهه الشعب الثائر. بما لا يمنع من محاولة هذا الفريق أو ذاك من شرائح الطبقة الحاكمة أن تستعين بالقوي الثورية أو تهدد بالاستعانة بها. و علي مستوي أخر نشهد أنتقالا إلي مستوي أعمق من التبعية علي الاقتصادية و السياسية يقتضي مزيدا من أحكام السيطرة علي الطبقات الشعبية و مزيدا من التضليل الإعلامي. و بالتالي نصل للمعادلة التي حكمت النظام السياسي المصري الحديث منذ نشأته. و هي التناقض بين الحاجة لديمقراطية برجوازية تتيح تداول سلمي للسلطة و توزيع الأنصبة بين شرائحها المختلفة و بين ضرورة الاستبداد السياسي لقمع الحركة الشعبية التي يفجرها أحتكار هذه الطبقة نفسها للثروة و للسلطة. و لم تفلح الرأسمالية المصرية أبدا في حل هذا التناقض. فهو تناقض يدور علي خلفية تحجيم هذه الرأسمالية بيد التبعية الثقيلة للإمبريالية و بالتالي عدم قدرتها علي تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الشعبية.

وسط هذا الصراع متعدد الأبعاد تفتح نوافذ لحركة الطبقات الشعبية و ممثليها الثوريين. و كلما أشتد الصراع و تعاظم و سط الطبقة المالكة و الحاكمة علي خلفية الوضع الثوري العام كلما أصبح ممكنا أن يتقدم البديل الثوري. شرط أن يكون هذا البديل متميزا عن مختلف صنوف الرأسمالية الحاكمة و أن يتوجه أساسا للطبقات الشعبية كبديل لهذه الطبقة المتفسخة و حكمها و سياسيتها و تبعيتها.

No comments:

Post a Comment