Sunday, January 2, 2011

قتل المسيحيين يؤكد الحاجة للجبهة الشعبية

قتل المسيحيين يؤكد الحاجة للجبهة الشعبية
العملية الإرهابية أمام كنيسة كل القديسين بالإسكندرية تضع خطا فاصلا في تطور قضية المسيحيين في مصر. فلم تعد قضيتهم هي قضية تمييز ديني أو حتي أضطهاد ديني فحسب. و لم تعد قضيتهم أن هذا التمييز يتخذ طابعا رسميا كما كان في البدء و يأتي من جماعات اليمين الديني، أو حتي يتخذ طابعا شعبيا بعد أن تشبع الشعب بدعاية هذا اليمين و فقد كثيرا من أسس توحده بسبب تردي الأوضاع و التحلل الاجتماعي. لقد أصبحت قضية المسيحيين قضية بقاء و وجود بعدما أصبح هناك من يستهدفهم بالقتل و يقوم بذلك فعلا. قضية المسيحيين تحولت من قضية أضطهاد ديني لقضية حياة أو موت. هذا هو الخط الفاصل الذي وضعته العملية الإرهابية.
و أود هنا أن أشير إلي أن إدانة القاعدة و أشباهها بتلك العملية ليس أمرا ينتظر التحقيقات كما يقول البعض. فاتهام القاعدة هو أتهام لها بما قامت به و أعلنته و بما تفتخر به و تقول أنها ستواصله. و كذلك هؤلاء الذين يدعون لكراهية المسيحيين من "مفكري" اليمين الديني من أمثال العوا و عمارة أدانتهم بالتحريض علي مثل هذه الأعمال الإجرامية هو مجرد توصيف لما يقولونه و يدعون له ليل نهار و لا ينكرونه. يبقي أيضا أن نشير إلي أن الجهات التي قد تستفيد من مثل هذا العمل الإجرامي كثيرة بدء من الاستعمار حتي تمديد قانون الطوارئ. لكن ليس هؤلاء فحسب بل يجب علينا كيسار و كشعب و حتي كمسيحيين أن "نستفيد" من هذه العملية قدر طاقاتنا المتواضعة بأن نعزز ترابطنا و فهمنا لم يحاك لنا. لقد أنتقل التمييز الديني إلي مرحلة جديدة دموية. و علي الكفاح ضد هذا التمييز أن يعي الحقائق الجديدة و أن ينهض بأعبائها.
منذ تصاعد التمييز الديني في السبعينات و المسيحيين يلجؤون للكنيسة و يتجمعون حولها. و هذا أمرا مفهوما لعدة أسباب. أولهم أن اللجوء للكنيسة هو مساوي للجوء للمسجد الذي يقوم به المسلمين. فالمسيحيين هنا مثلهم مثل المسلمين خاضعين لواقع اجتماعي مرير. ثم أن لجوء المسيحيين للكنيسة أمرا منطقيا باعتبار أن قضيتهم قضية دينية في الأساس.ناهيك عن الخدمات التي تقدمها. و الكنيسة المصرية تاريخيا تكاد أن تكون جزء من الدولة مثلها مثل الأزهر. فمثل هذه المؤسسات ذات النفوذ و التأثير الواسعين لا يمكنها أن تفلت من هيمنة الدولة المصرية التي تهيمن علي كل شيء. و الكنيسة من ناحية آخري مثلها مثل الأزهر تزايدت يمينيتها و رجعيتها. فلو عاد الشيخ محمد عبدة للأزهر الآن لما سمح له بالدخول. و أزدياد رجعية الكنيسة يعزز تحالفها مع الدولة. و قد تحمل و ما زال المسيحيين جراء هذا أكثر ربما من المسلمين و ما زالت قضية حيوية مثل الحق في الطلاق تضغط بثقلها علي أسر مسيحية مصرية كثيرة. لكن حتي لو تصورنا جدلا أن الكنيسة المصرية تبنت لاهوت التحرير ذات صباح جميل فلن يمكن لهذه الكنيسة أن تقدم حلا للمسيحيين. فالقضية المسيحية في مصر لا يمكن حلها دون ترابط المسلمين وتضامنهم مع المسيحيين. فالمسيحيين أقلية صغيرة لا يزيدون عن 10%. و هم أقلية ليست جغرافية أو أثنية بل أقلية لا يمكن تمييزها عن عامة المصريين لسبب بسيط هو أنهم عامة المصريين. لذا فلا يوجد حل بالانقسام الجغرافي ناهيك عن أستحالته العملية و عن تكلفته التي لا تتصور. و لا يوجد حل فقط بالضغط المسيحي رغم أنه ضروري وحيوي. و نفس الشيء يمكن أن يقال عن جماعات أقباط المهجر و أكثر. فتلك المجموعات – و هي كثيرة و متنوعة التوجه و ليست كلا واحدا كما يروج أنصار اليمين الديني – ليس لها سوي ممارسة الضغوط من الخارج. و بعض هذه المجموعات – و ليس كلها – يتحالف مع أكثر أقسام اليمين الديني الأمريكي عنصرية و صهيونية. و تلك الضغوط الخارجية لا يمكن أن تتجاوز أطار مصلحة الدول الضاغطة. فالولايات المتحدة لن تتخلي عن سياسيتها الخارجية من أجل عيون الأقباط بكل تأكيد.يضاف إلي هذا أن جماعات المهجر ليست موجودة فعلا في مصر.
و أذا تناولنا اليسار باعتبار أنه يمكنه أن يقدم حلا للمسيحيين. فاليسار يتبني مناهضة التمييز و الاضطهاد علي أساس ديني و اليسار يجمع المسلمين و المسيحيين. نجد هناك عوائق كبيرة أيضا. أولها بالقطع أن اليسار قوة هامشية في الحياة السياسية المصرية. لكن أهم من ذلك أن اليسار له شروطه الفكرية لمن ينضم ألية. فحتي أي عامل مناضل لا يمكنه ببساطة أن ينتمي لليسار. فاليسار مؤسسة فكرية متشابكة و ليس مجموعة مهمتها مناهضة الاضطهاد الديني. و هنا يجب أن نتوقف لبحث موقف اليسار سريعا من القضية. يتبني قسم كبير من اليسار موقفا خاطئا في تقديري من قضية الاضطهاد الديني. موقفا لا ينطلق من الواقع بل من أكلاشيهات يسارية محفوظة دون تمحيصها و مقارنتها بالواقع. هذا الموقف النمطي يقول أن الاضطهاد الديني هو حيلة من النظام كي يفرق وحدة المضطهدين. و أن من الواجب علي فقراء المسيحيين أن يتحدوا مع فقراء المسلمين. و هذا الموقف النمطي خاطئ تماما. أولا لان اضطهاد المسيحيين الديني أمر قديم سابق علي هذا النظام و من سبقه حتي. فمثلا الخط الهميوني الذي يشكل ركيزة لدور العبادة صادر في منتصف القرن التاسع عشر. و لائحة وزارة الخارجية – المروعة في معادة المسيحيين- و التي تحدد قواعد بناء الكنائس صادرة في ثلاثينيات القرن الماضي. أذا فالنظام برئ من أختراع التمييز و الاضطهاد الديني. ثم أن قصة تقسيم المضطهدين هي قصة مفبركة تماما. ففي عصر عبد الناصر تحسن وضع المسيحيين أساسا بسبب قضاؤه علي جماعة الأخوان التي كانت تحرق الكنائس في الأربعينات و مطلع الخمسينات. و بسبب أن نظامه أعتمد القومية العربية كأساس لحكمه. أما في عصر السادات الذي تحالف مع الإخوان و جعل الدين أساسا لحكمه "كرئيس مسلم لدولة مسلمة" فالوضع تغير تماما بالنسبة للمسيحيين. لم يفعل السادات ذلك كي "يقسم المضطهدين" كما تقول الكتابات اليسارية الشائعة بل فعله كي يواجه الناصريين و الشيوعيين و أرث الناصرية. ثم أن الكتابات اليسارية من هذا النوع لا تعتبر أن هناك أضطهادا لأغنياء المسيحيين. و هذا غير صحيح. فحتي سوريس لا يمكنه بناء كنيسة صغيرة دون تصريح بينما أي شخص من عامة المسلمين يمكنه بناء زاوية حيثما يشاء. أليس هذا هو الواقع!. أن الكتابات اليسارية الشائعة في الحقيقة تنفي وجدود قضية خاصة بالمسيحيين. و هذا يجافي الواقع و لا يمكن أن يخدم قضيتهم و لا حتي قضية اليسار. تنفي هذه الكتابات القضية بأن تلحقها عنوه بقضية الصراع الطبقي دون أن تقدم تفسيرا مقنعا لذلك. و لا شك أن الاضطهاد الديني و أضطهاد المرآة جزء من الصراع الطبقي الشامل و لكنه ليس بميكانيكية ما تطرحه كتابات كثير من اليساريين
علي كل حال اليسار لا يمكن أن يشكل إجابة بالنسبة للمسيحيين حتي لو تبني موقفا صحيحا من قضيتهم. بسبب أنه نفسه ضعيف جدا.
و قد نصح كثيرين و أنا منهم المسيحيين بالالتحاق بالحركة الشعبية الصاعدة باعتبارها القوة الجديدة البازغة التي يمكنها أن تقدم حلا لقضيتهم. و حينما أقول حلا لا أعني حلا تاما شاملا و أنما فقط تخفيف مستوي الضغوط التي يتعرضون لها و ربما أقرار قانون دور العبادة و أستعادة قدر من الوئام الشعبي المفتقد. و رغم أستمرار قناعتي بذلك إلا أن القضية الجوهرية هنا هو أن هذه القوة الشعبية الصاعدة ليس لها عنوان حتي الآن. و لا أعرف مستوي تمثيل المسيحيين في قوي اليسار أو في حركات الشباب حاليا. و لا أعرف أذا كانوا أكثر أم أقل أنجذابا لهما من المسلمين. أن غياب رابطة جامعة للقوي الشعبية يعرقل القضية المسيحية في مصر. و في ثورة 19 لنا درسا. فالمسيحيين لعبوا دورا هاما في الثورة و شكلوا قسما هاما في الوفد أكبر من نسبتهم لعدد السكان. ذلك أن الوفد بدعوته للدولة المدنية كان يعني لهم التحرر المزدوج من الاستعمار و من الاضطهاد الديني.أن الجبهة الشعبية يجب أن تكون الوفد الشعبي الجديد. و هي وحدها القادرة علي النهوض بقضية المسيحيين و دفعها للأمام.
لا يراودني أدني شك في أن القاعدة و أتباعها سيفشلون. فهم معتادي الفشل فقد فشلوا حيثما ذهبوا و لكنهم يتسببون في خسائر رهيبة. فقتلاهم في العراق أكثر من قتلي الأمريكيين. و الحال علي هذا المنوال في الجزائر و السودان و اليمن و باكستان. أن تلك المنظمة الإجرامية العالمية تعيش علي أنحسار الحركة الجماهيرية و تساهم في ذلك أيضا. فلنعمل علي قطع الطريق عليهم. لنعمل علي بناء جبهة شعبية تضع أضطهاد المسيحيين ضمن أولولياتها و تجمعهم حولها.

No comments:

Post a Comment